أبي الفدا
28
كتاب الكناش في فني النحو والصرف
وأين بيتك أزرك ، كان التقدير إن تأتني أحدثك وإن تعلمني بيتك أزرك ، فإذا قلت في التمني : ألا ماء أشربه ، وليته عندنا يحدثنا ، كان التقدير إن أجد الماء أشربه وإن تكن عندنا تحدثنا ، وإذا قلت في العرض : ألا تنزل عندنا تصب خيرا ، كان التقدير إن تنزل تصب خيرا « 1 » وكذلك ما فيه معنى الأمر والنهي فإنه منزّل منزلة الأمر والنهي في جزم الجواب « 2 » وذلك مثل قولهم : اتّقى اللّه امرؤ وفعل « 3 » خيرا يثب عليه ، بجزم يثب على جواب الأمر إذا كان المراد ، ليتق امرؤ وليفعل خيرا يثب عليه بمعنى إن يفعل خيرا يثب عليه ، وكذلك : صه أكرمك ، والمعنى اسكت إن تسكت أكرمك . واعلم أنه من حقّ المضمر أن يكون من جنس المظهر ليدل عليه « 4 » ، لأنّ المضمر إذا لم يكن من جنس المظهر إيجابا أو نفيا لم يصح أن يكون المظهر دليلا عليه ، لأنّه إنما يدلّ على ما هو من جنسه ، فإذا قلت : لا تعص اللّه يدخلك الجنة ، كان صحيحا ، لأنّ التقدير : إن لا تعصه يدخلك الجنة لأنّك إنّما تضمر مثلما تظهر من النفي والإثبات ، وإذا قلت : لا تدن من الأسد يأكلك كان فاسدا ، لأنّ النهي لا يدلّ على الإثبات ، لأنّ التقدير إن لا تدن من الأسد يأكلك ، وهو فاسد ، وإنما كان هذا هو التقدير ، لأنّ قولك : لا تدن من الأسد ، إنما يدلّ على ما هو من جنسه والذي / هو من جنسه هو النهي ، وإذا قدرت النهي لم يستقم المعنى « 5 » ، وأجاز الكسائي لا تدن من الأسد يأكلك ، اعتمادا على وضوح المعنى ، وتقديره عنده لا تدن من الأسد إن تدن منه يأكلك « 6 » واعلم أنّ القرّاء كلّهم خلا أبي عمرو قرأوا فأصدق وأكن من الصالحين « 7 » بجزم أكن عطفا على موضع أصدّق ، لأنّه في موضع جزم كأنّه قال :
--> ( 1 ) شرح الوافية ، 355 وشرح المفصل ، 7 / 48 . ( 2 ) المفصل ، 253 . ( 3 ) في الأصل بلا واو ، ونحوه في الأوضح ، 4 / 191 وشرح التصريح ، 2 / 243 وفي الكتاب 3 / 100 والمفصل ، 253 وشرح المفصل ، 7 / 49 « وفعل » وهي مثبتة في التقدير المذكور بعد . ( 4 ) المفصل ، 253 . ( 5 ) إيضاح المفصل ، 2 / 37 . ( 6 ) شرح الوافية ، 355 وإيضاح المفصل ، 2 / 38 وفي شرح الكافية للرضي ، 2 / 267 « إنه ليس ببعيد لو ساعده نقل » وانظر النحو الوافي لعباس حسن ، 4 / 394 . ( 7 ) من الآية 10 من سورة المنافقون .